عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

294

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » يجوز فيها الوجهان السابقان من كونها نافية وشرطية ، وجوابها محذوف تقديره : فبئسما يأمركم . وقيل : تقديره : فلا تقتلوا أنبياء اللّه ، ولا تكذّبوا الرّسل ولا تكتموا الحق ؛ وأسند الإيمان إليهم تهكّما بهم ، ولا حاجة إلى حذف صفة ، أي : إيمانكم الباطل ، أو حذف مضاف ، أي : صاحب إيمانكم . وقرأ الحسن : « بهو إيمانكم » بضم الهاء مع الواو . فإن قيل : الإيمان عرض ، ولا يصح الأمر والنهي . فالجواب : أن الدّاعي إلى الفعل قد يشبه بالأمر كقوله : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [ العنكبوت : 45 ] . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 94 إلى 95 ] قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 94 ) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 ) وهذا نوع آخر من قبائح أفعالهم ، وهو زعمهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون النّاس ، ويدلّ عليه أنه لا يجوز أن يقال للخصم : إن كان كذا أو كذا فافعل كذا ، والأول مذهبه ، ليصحّ إلزام الثاني عليه . ويدلّ على ذلك أيضا قولهم : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 111 ] وقولهم : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] وقولهم : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 80 ] . وأيضا اعتقادهم في أنفسهم أنهم هم المحقّون ؛ لأن النسخ غير جائز في شرعهم ، وأن سائر الفرق مبطلون ، وأيضا اعتقادهم أن انتسابهم إلى أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أعني : يعقوب وإسماعيل وإسحاق وإبراهيم - عليهم السلام - يخلصهم من [ عقاب ] « 1 » اللّه - تعالى - ويوصلهم إلى ثوابه ، فكذّبهم اللّه - تعالى - وألزمهم الحجّة ، فقال : قل لهم يا محمد : إن كانت لكم الدار الآخرة يعني الجنّة خالصة من دون النّاس ، فتمنوا الموت أي : فأريدوه واسألوه ؛ لأن من علم أن الجنة مأواه حنّ إليها ؛ لأن نعم الدنيا على قلّتها كانت منغصة عليهم بسبب ظهور محمد - عليه الصلاة والسلام - ومنازعته لهم بالجدال والقتال ، ومن كان في النّعم القليلة المنغصة ، وهو يتيقّن بعد الموت أنه ينتقل إلى تلك النعم العظيمة ، فإنه لا بد وأن يرغب في الموت . وقيل : إن اللّه - تعالى - صرفهم عن إظهار التمنّي ، وقصرهم على الإمساك ليجعل ذلك آية لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم .

--> ( 1 ) في ب : عذاب .